جندوبة تحت وطأة السيول: أمطار طوفانية تقطع طرقات رئيسية وتعزل مناطق بالولاية







جندوبة، تونس – شهدت ولاية جندوبة خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية تساقطات مطرية غزيرة فاقت المعدلات الموسمية، مما أدى إلى فيضان عدد من الأودية وارتفاع منسوب المياه بشكل خطير. وقد تسببت هذه الأمطار الطوفانية في شل حركة المرور عبر قطع طرقات وطنية وجهوية حيوية، وعزل بعض المناطق الريفية، مما استدعى تدخلاً عاجلاً من السلطات الجهوية وفرق الحماية المدنية لضمان سلامة المواطنين والعمل على إعادة فتح المسالك المرورية.

وتعتبر ولاية جندوبة، بطبيعتها الجغرافية التي تجمع بين الجبال الشاهقة والأودية العميقة، من أكثر المناطق في تونس تأثراً بالتقلبات الجوية الحادة، حيث تتحول الأمطار في كثير من الأحيان إلى سيول جارفة تهدد البنية التحتية وسلامة السكان.







تفاصيل الأضرار وانقطاع حركة السير

تركزت الأضرار بشكل كبير على شبكة الطرقات، حيث أعلنت اللجنة الجهوية لمجابهة الكوارث وتنظيم النجدة بجندوبة عن انقطاع كلي أو جزئي لحركة المرور في عدد من المحاور الرئيسية، مما خلق حالة من الارتباك لدى مستعملي الطريق وأجبر الكثيرين على تغيير مساراتهم أو التوقف تماماً في انتظار تدخل فرق الإنقاذ.

أبرز الطرقات المتضررة

وفقاً للمصادر الميدانية والإعلانات الرسمية، شملت الانقطاعات المحاور التالية:

  • الطريق الوطنية رقم 17: انقطاع حركة المرور على مستوى منطقة « وادي مليز » بسبب فيضان وادي مجردة، وهو ما أثر بشكل مباشر على التنقل بين جندوبة والكاف.
  • الطريق الجهوية رقم 59: شهدت هذه الطريق في معتمدية عين دراهم صعوبات كبيرة في حركة السير نتيجة انزلاقات أرضية وتجمع كميات هائلة من المياه، خاصة في المناطق الجبلية المنحدرة.
  • المسالك الفلاحية بمعتمديتي فرنانة وغار الدماء: غمرت المياه عدداً كبيراً من المسالك الريفية، مما أدى إلى عزل قرى وتجمعات سكنية صغيرة وصعوبة وصول الأهالي إلى المراكز الحضرية.
  • الطريق المحلية الرابطة بين بلطة بوعوان وبوسالم: توقفت الحركة عليها بشكل كامل بعد أن غمرتها مياه أحد الأودية الفرعية.

وقد عبر عدد من المواطنين العالقين عن قلقهم، حيث قال السيد « علي المحمدي »، سائق شاحنة، في تصريح لموقعنا: « نحن هنا منذ الصباح الباكر، الطريق مقطوعة بالكامل ولا يمكننا التقدم أو الرجوع. نأمل أن تتدخل السلطات بسرعة لإيجاد حل، فبضائعنا معرضة للتلف ».

تحرك السلطات الجهوية وتوصيات للمواطنين

فور تلقي البلاغات الأولى، باشرت مختلف الهياكل المعنية عمليات التدخل الميداني. وقد أكدت الإدارة الجهوية للحماية المدنية بجندوبة أنها نشرت كافة وحداتها وفرقها المختصة في المناطق المتضررة للقيام بعمليات شفط المياه وإجلاء المواطنين العالقين وتقديم المساعدة اللازمة.

تدخلات الحماية المدنية والتجهيز

صرح مصدر مسؤول من الحماية المدنية بأن « الوضع تحت السيطرة رغم صعوبته، ولم يتم تسجيل أي خسائر بشرية حتى الآن، والجهود منصبة حالياً على إعادة فتح الطرقات الرئيسية وتأمين المناطق السكنية المهددة بالفيضانات ». وأضاف أن التنسيق متواصل مع الإدارة الجهوية للتجهيز التي قامت بتسخير آلياتها الثقيلة لإزاحة الأتربة والصخور من الطرقات الجبلية وإصلاح الأضرار الأولية لضمان عودة حركة السير في أقرب وقت ممكن.

كما تم تفعيل مخطط النجدة الجهوي وتركيز خلية أزمة لمتابعة تطورات الوضع على مدار الساعة واتخاذ القرارات اللازمة بشكل فوري.

دعوات للحذر واليقظة

أصدرت السلطات الجهوية ووزارة الداخلية بلاغات تحذيرية تدعو فيها كافة المواطنين ومستعملي الطريق إلى توخي أقصى درجات الحذر واليقظة، وقدمت التوصيات التالية:

  1. تجنب التنقل إلا للضرورة القصوى في المناطق التي تشهد تساقطات مطرية غزيرة.
  2. الابتعاد عن مجاري الأودية والمناطق المنخفضة التي قد تشكل خطراً للغرق أو الانجراف.
  3. الالتزام بتعليمات أعوان الحرس الوطني والحماية المدنية وعدم المجازفة بعبور الطرقات المغمورة بالمياه.
  4. الإبلاغ الفوري عن أي حالة طارئة عبر أرقام النجدة المخصصة.

جندوبة وتحدي التغيرات المناخية: ظاهرة متكررة

لم تعد هذه الحوادث استثنائية في ولاية جندوبة. فخلال السنوات الأخيرة، تكررت سيناريوهات الفيضانات وانقطاع الطرقات بشكل لافت، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى جاهزية البنية التحتية لمواجهة التغيرات المناخية المتسارعة. ويشير الخبراء إلى أن زيادة حدة وتواتر الظواهر الجوية القصوى تستدعي إعادة تقييم شاملة لشبكات تصريف مياه الأمطار، وصيانة السدود، وتعلية الجسور، وحماية حواشي الأودية لمنع الفيضانات من الوصول إلى المناطق العمرانية والأراضي الفلاحية.

وتبقى جهود الدولة والمجتمع المدني ضرورية لوضع استراتيجية وقائية طويلة الأمد، لا تقتصر على التدخل بعد وقوع الكارثة، بل تهدف إلى تعزيز قدرة المنطقة على الصمود في وجه هذه التحديات الطبيعية المتزايدة.

وفي الختام، بينما تواصل فرق الإنقاذ عملها الدؤوب على الأرض، تبقى الأنظار متجهة نحو السماء، حيث تشير توقعات المعهد الوطني للرصد الجوي إلى استمرار نزول الأمطار خلال الساعات القادمة، مما يبقي حالة التأهب القصوى قائمة في كامل ربوع ولاية جندوبة.